الاثنين، 4 مارس 2013

صرخة استغاثة


انت مالك ؟
- مفيش

- أجيبلك أكل ؟
- لا

- أجيبلك فلوس ؟
- لا

- طب عايزة إيه ؟
- عايزة أموت !

- إسمك إيه ؟
- إسمي عبير

- طب قومي يا عبير أوديكي المستشفى.
- مش قادرة أقوم

- طب اقعدي طيب.
تستند إلى يدي وتحاول الاعتدال فيغلبها القيء.
جزء على ملابسي وجزء على الأرض. عصارة معوية صفراء
تدل على أن بطنها لم يدخلها الآكل منذ يومين على الأقل.

أقف إلى جوارها فاقد الحيلة.. ماذا أفعل بها ومعها .. هل أتركها وأمشي !
هل أعطيها بعض المال وأجلب لها طعاما وأمشي ! يتجمهر بعض الناس
وينصحوني بالمغادرة . أحدهم يقول لي ربما هي تحت حماية بلطجي ويأتي
ليتشاجر معك ويتهمك بأي شيء. ربما هي سارقة والشرطة تطاردها..

- "ياعم سيبها في حالها وامشي ، انت شكلك ابن ناس"
نظرت لها فوجدتها دخلت في إغماءة جديدة. نبضات قلبي تتسارع
وتغلبني مشاعري .. تذكرت مقولة اسبينوزا: لو حدث لك أمر جلل
فلا تضحك أو تبكي، لكن فكر ....... الفلسفة مفيدة أحيانا ..

أخرجت الموبايل واتصلت بالإسعاف 123. إنها المرة الأولى التي أجرب
فيها الخدمة.. في البداية رد على صوت مسجل يحذرني لو كنت معاكسا
أنه سيتم إيقاف الرقم. أكملت الاتصال وتحدثت مع المسعف ووصفت له
المكان . أغلقت الهاتف وجلست إلى جوارها على الرصيف. إنها تخرج من
أنفها وفمها رغاوي غريبة تشي بامرأة تفقد الحياة.

أنظر إلى السماء وأفقد صوابي . أصرخ ، أين أنت يا رب ،
لماذا تتركنا هكذا. امرأة تموت على الطريق في العاصمة وعلى مسافة
من فيلات وقصور ومستشفيات خمس نجوم ، وعلى مرمى حجر من قصور
تحكم مصر . لو كنا في الصعيد أو الريف أو الواحة ربما سامحتهم ، ولكنا في
قلب أقدم عاصمة في التاريخ.

مر رجل وقال لي لا تنظر إلى السماء وأنت تدعوا الله،
لأنك بذلك تحيز الله في السماء، والله ليس متحيز!! سببته
بأمه وكدت أن أقتله ، ففر هاربا ظنا منه أني مجنون.

وأثناء ذلك سمعت صوت الإسعاف ، سارعت إلى منتصف الطريق
وشاورت لهم بيد مرتفعة وتوقفوا .... نزل المسعف ونظر للمرأة.
سألني، هل تعرفها ؟ قلت لا . فقال "أنا آسف يا باشا مش بناخد متسولين
عشان بيعملوا مشاكل ، وبييجي بلطجية بعد كدة تكسر المستشفى."

قلت له بحدة : الدستور المصري الجديد الذي حاز أغلبية "نعم"
يقول أن الرعاية الصحية حق لكل مواطن. ودي حالة ينطبق عليها الدستور.
وإذا مأخدتهاش هرفع عليك قضية وأفصلك من شغلك."

رد بصوت مرتبك : والله العظيم نفسي أخدها، هو انا هشيلها
على كتفي، بس الدكاترة في المستشفى محَرّجة علينا منجبش
متسولين وبيجازونا على كدة."

قلت له اتصل بالدكتور ولو رفض هدخله السجن ، لو كان سعيد الحظ.
قال لي ، ترضى تيجي معانا وتضمنها على مسؤوليتك ؟
قلت له أنا معك.

حملنا المرأة ، ووضعناها في الإسعاف .
بدأت تفيق . كان معي قطعة شيكولاتة أعطيتها لها فرفضت ،
فقط قالت "أنا بردانة. عايزة أتغطى." ..... تحدثت معها..

- عندك كام سنة يا عبير ؟
- عندي 40 سنة

- انتي متجوزة ؟
- مطلقة

- معاكي بطاقة شخصية ؟
- أيوه . اتفضل . انت هتسيبني ؟

- لا أنا معاكي متخافيش
- شكرا ربنا يخليك يا رب.

المسعف الذي يركب معي متوتر جدا. يقول لي: دي أول مرة
من 12 سنة شغل في الإسعاف أشوف حد مهتم بمتسولة في الشارع .
دي الناس بتسيب أقاربها وتمشي يا باشا يبأى هتقف لوحدة ست شكلها يخوف
زي دي والله ربنا هيكرمك، بس لو حصلت مشاكل هقول انك انت اللي هددتني."

نظرت له ولم أرد . ثم فتحت كتابا في يدي وقرأت منه ..
.. ثم أعد نفسه جيدا، جمع ما بقى من امبراطوريته جيشا
يفوق في العدد جنودي عشر مرات.. لم يفهم أبدا أن العدد لا يعني شيئا ،
وهذا درس تعلمته :... يمكن أن تحكم الناس بالقمع والخوف، لكن الخائفين
لا يمكن أن ينتصروا في حرب .

الناس في الشارع خائفون من مساعدة متسولة.
المسعف المسؤول خائف. ولما دخلت المستشفى
وجدت طبيبة شاحبة مترددة. ولكن إصراري كان كاسحا.
ما هي قيمة الحياة لو تركنا امرأة مسكينة كتلك لمصيرها الأسود.
ليختصي الرجال ولتعقم النساء من بعد.
الإسلام الذي يتحدثون عنه ليل نهار، يقول لنا أن الكلب والقطة
يدخلان الإنسان الجنة أو النار؛ فما بالك بإنسان !

هنا مستشفى حكومية مملوءة بالبؤس وخالية من الإمكانات.
الممرضات عابثات والطبيبة تتحدث في الهاتف والممرض يدخن سيجارة
على خلاف القوانين . هنا وضع مخيف ومؤسف يشرح حالة مصر وما فيها
من عشوائية وظلم طبقي وإهمال وفشل في إدارة الدولة والموارد.
ثم يتقاتلون على السياسة أو فروعيات الدين . لعنة الله عليكم جميعا .

دخلنا إلى غرفة بها بضعة أسرة قذرة ، استندت عبير على يدي
ثم ارتمت على إحداها. كشفت عليها الطبيبة كشف ظاهري بقرف
وامتعاض واضحين، ثم كتبت لها محلول وبعض الحقن.. جاء التمريض
وبدأ في تعليق المحلول. فشلت الممرضات في البداية في الإمساك
بيدها لإدخال السن المدبب للكالونة، فطلبوا مني المساعدة .

اقتربت من رأسها ووضعت يدي عليها وحاولت الابتسام ،
ثم قلت لها قولي يا رب .. قولي حسبي الله ونعم الوكيل ..
متخافيش يا عبير مش هتوجعك.

خرج التمريض ووقفت الى جوار السرير انظر لعينها التي تغيب
عن الوعي وإلى قطرات المحلول التي تنساب في أنبوب شفاف.
وسرحت بعيدا .

نحن لا ننتمي لآدم أبو البشر،
على الأرجح ننتمي لآدم سميث أبو الرأسمالية. أتذكر عباراته الشهيرة
في كتبه عن ثروة الأمم " الإنسان كائن اقتصادي يسيطر عليه حب الذات.
والثراء هو الوسيلة الوحيدة لإثبات ذاته. ويتحرك بوازع الربح ."

ثم أتذكر عبارات مالتس خبير السكان الأنجليزي الأشهر،
الذي بنى نظريته على أساس: أن الفقير ليس له حق أمام الطبيعة
لأنه لم يستأذنها في وجوده . وعليه أن يرضى بقسمة الفقراء ."

للأسف المجتمع الإسلامي تخلى عن أصول الدين وما فيه من تكافل
ورحمة وإيثار ورعاية وتحلى بقسوة النظريات الغربية حتى لو لم يكن يعلمها .
تلك وظيفة الدعاة ورجال الدين . تلك وظيفتهم التي تركوها وتفرغوا للفضائيات والصراعات التافهة والفقه الفروعي. فكانت عبير هي النتيجة . الغرب بدأ يفيق
لقسوة تلك النظريات وأخذ يطعمها بنظريات إنسانية أكثر رحمة وعناية ، بينما
نحن نسير إلى الهاوية ........ مر بعض الوقت . وبدأت حالة عبير في التحسن .

نظرت لي وقالت: امشي انت يا أستاذ ،
شكرا على اللي عملته معايا . انا أهلي معملوش معايا
اللي انت عملته . انا سبتهم وهربت عشان بيضربوني وبيشتموني .

ظللت إلى جوارها حتى نامت، خرجت و أوصيت
الطبيب النبطشي وهيئة التمريض عليها . ثم تركت المستشفى وغادرت .

وعند أول حائط مظلم أفرغت ما في بطني . ثم مشيت .
لم تحملني قدماي لبضعة أمتار فوقفت . وقعدت إلى الأرض .
إلى التراب أمسكه بيدي وأبكي . تحاملت ووقفت وذهبت إلى بيتي بصعوبة .
لا أجد لأي شيء طعم . أشعر بالذنب كلما فعلت شيئا . لا يجب أن أستحم
أو أرتدي ملابس نظيفة أو آكل طعاما ساخنا أو أنام على فراش لين . كل ما
أفعله حرام . كل ما نفعله حرام .

الفقه الإسلامي عندما يتحدث عن الولاية للقاصر
أو اليتيم أو المحتاج ، يقول أن السلطان ولي من لا ولي له.

رسالة : عبير أحمد عباس في مستشفى بولاق العام
يا دكتور مرسي . وهي لديها مشاكل وتحتاج من يحلها .
ربما تغادر وتعود إلى الرصيف . و لكن هناك آلاف الأرصفة
تسكنها آلاف "العبيرات" . والدستور يحتم على الدولة أن
تجد سكنا ملائما للمواطنين ..... أنت من طلب كرسي الحكم
يا دكتور مرسي .. وأنت من فرضت الدستور لتصير مصر دولة مستقرة !
إذن لا مسؤول أمامي غيرك

ليست هناك تعليقات: